قيم مرقمنة ومفاهيم مهجنة (مقال)

359

تساءل مدير مركز “ريفلكت لدراسات التحول الرقمي وأثره على حقوق الإنسان” (مستقل مقره لندن)، عن استعدادات العرب لمواجهة عصر استخدام الذكاء الاصطناعي في مواجهة روايتهم الإعلامية حول الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

واستعرض في مقال له، كيف تسيطر أجهزة الأمن القومي الأمريكي على محتوى منصات التواصل الاجتماعي، وتنسيقها مع الأجهزة النظيرة في دولة الاحتلال.

مشيرا إلى أن الإسرائيليين يراهنون على تغييب الوعي وأثره في إنشاء جيل، ينسى جرائم الاحتلال واعتداءاته، ويتجه نحو التطبيع، مشككا في الوقت نفسه من تمكنهم من تحقيق هذا الهدف.

قيم مرقمنة ومفاهيم مهجنة

رائد سمور

مدير مركز “ريفلكت لدراسات التحول الرقمي وأثره على حقوق الإنسان”

تمهيد:

نعيش واقعا محكوماً بعالم افتراضي في كل مفصل من مفاصله، أنشأ حالة هجينة في مفاهيمها وقيمها، بما يخدم مصالح المشغلين لهذا الواقع، أو من يرغب المشغلين في أن يكونوا شركاء لهم.

مفهوم والطبيعي أن يكون المشغل مسيطرا على كل صغيرة وكبيرة في هذا العالم الهجين، وأن يفرض القيم والمفاهيم والعقائد التي يريد على نصف سكان الكرة الأرضية، وهنا أنا أتحدث عن منصات التواصل الاجتماعي بكل تفرعاتها وتفريعاتها ومسمياتها.

ومن المفهوم أيضا أن تحطم تلك المنصات العوائق الجغرافية، وتحطم مفاهيم النشر والصحافة والإعلام، وتعيد تشكيلها مجددا، وتفرض عليها قواعد جديدة في اللعبة الإعلامية.

منصات التواصل والطابع الاستخباري:

وبما أن جل هذه المنصات أمريكية تتبع للقوانين هناك، وبما أن اللعبة في هذا العالم الهجين لها طابع أمني استخباري كبير جدا، فالتنسيق والسطوة والسيطرة لوكالات الأمن القومي الأمريكي على هذه المنصات يعد من أولوياتها، وحلفائها، ولعل أهم هذه المؤسسات الشريكة هي أجهزة الأمن والاستخبارات في الكيان الغاصب لفلسطين المحتلة.

الكيان والتنسيق الأمني مع منصات التواصل وعلى رأسها فيسبوك:

هذا التنسيق الأمني المباشر ما بين منصات التواصل وما بين الأجهزة الاستخبارية المتخصصة بالحالة السيبرانية في الكيان يثير الكثير من التساؤلات لعل أهمها: –

– الحجة الدائمة والتهمة المعلبة، هي “معاداة السامية” واستخداماتها في عالم الإنترنت بشكل عام ومنصات التواصل بشكل خاص.

وهذا المفهوم واسع، ومن الممكن أن تندرج تحته الكثير من المسائل التي قد تفسر على أن الخطاب المنشور على منصات التواصل أو شبكة الإنترنت بشكل عام هو خطاب معاد للسامية؛ وبالتالي يجرم ويتم التعامل معه بكل السبل المتاحة في القانون وخارج القانون.

ولأقدم مثالا حقيقياً على مثل هذه الحالة، استحضر قصة الدكتور فارس الذي كان يشغل منصب مدير شؤون الطلبة في جامعة تتبع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا”، ومن ضمن مهامه الوظيفية صفحة تلك الجامعة على منصات التواصل الاجتماعي، ومن ضمنها “فيسبوك”، أراد الدكتور فارس في يوم من الأيام أن يحفز الطلبة في منشور صباحي وكتب: –

“إذا أردت النجاح عليك باثنتين، الأولى الإصرار على النجاح والثانية أن لا تنسى الأولى” لكنه كان مهنيا، وأراد أن ينسب القول لصاحبه، الزعيم النازي الألماني “هتلر”.

ماذا حدث مع الدكتور فارس؟ بعد أسبوعين فقط جاءت لجنة من الأمم المتحدة، وحققت معه، وأجبر على الاستقالة؛ لأنه ليس محايدا في الصراع، واعتبر ما نشره من قول – وقد لا يكون قائله هتلر بالأساس – نشاطا محايدا. وفعلا استقال من عمله.

– ما هو حجم هذا التعاون وحجم التسهيلات الممنوحة لتلك الأجهزة؟

– غرفة العمليات المشتركة ما بين أجهزة الأمن القومي في الكيان وتلك المنصات.

– حجم سيطرة أجهزة الأمن السيبراني في الكيان على القرار في الهيئات الخاصة بسياسات النشر على منصات التواصل بشكل خاص، وعلى شبكة الإنترنت بشكل عام.

فمثلا هيئة إعداد ومراجعة سياسات النشر على منصات شركة ميتا over sight board وهي كما تدعي الشركة هيئة مستقلة مكونة من 22 عضوا فيها عضوان فقط يتحدثون اللغة العربية، هما كاتب مصري اسمه خالد منصور وناشطة يمنية اسمها توكل كرمان، بالإضافة إلى عدد آخر منهم من الهند وتايوان وإندونيسيا وبريطانيا والدنمارك وهنجاريا وباكستان وفرنسا والهند وأستراليا وستة أشخاص من الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وكولومبيا والمكسيك، وإيمي بالمور وهي مدير سابق لوزارة العدل في الكيان.

الحصانة من الملاحقة القضائية:

من المفهوم أن منصات التواصل الاجتماعي، تتمتع بالحصانة بخصوص المحتوى المنشور على صفحاتها بموجب المادة 230 من قانون آداب الصحافة لعام 1996، في الولايات المتحدة الأمريكية.

وهنا لا بد من لفت النظر إلى أن الكونجرس الأمريكي كان يعلم أن النمو الهائل لشبكة “إنترنت”، سيجعل من المستحيل على المؤسسات الموكل لها مراجعة المحتوى والتفتيش فيه بشكل يدوي دون تدخل تقني، لأن تقنيات الذكاء الاصطناعي لم تكن متاحة آنذاك.

عندما تم إقرار المادة 230 في عام 1996، استخدم في هذا العام الإنترنت حوالي 40 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. وبحلول عام 2019، كان أكثر من 4 مليارات شخص يستخدمون الإنترنت، منهم 3.5 مليار يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي.

وفي عام 1996، كان هناك أقل من 300000 موقع إلكتروني، ومع حلول عام 2022، كان هناك حوالي 1.2 مليار موقع إلكتروني.

وحاليا ومع توفر كافة الطرق التقنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أصبح من السهل على تلك الأجهزة، ومن يرتبط بها مراجعة كل كلمة في هذا الفضاء والتقاطها بشكل آلي كما حصل مع كلمة “هتلر” في قصة صديقنا دكتور فارس.

إذن هذه التقنيات بالأساس بريئة، لكن تم استخدامها بصورة غير بريئة مليئة بالشبهات، التي ليس أقلها اقتحام خصوصية المستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي، والذين يقدر عددهم تقريبا خمس مليارات مستخدم.

إن المحتوى الذي يتم فرضه من خلال ما يتم بثه من الإعلانات، عبر منحه خوارزميات انتشار أوسع، وما يتم تقييد انتشاره أو شطبه يخضع أيضا للعبة الاستخبارية الرقمية.

فتجد محتوى معادياً للكيان، لكنه موجود ويمنح خوارزميات خاصة بالانتشار؛ لأن هناك خلف هذا المحتوى خدمة كبرى للكيان وأجهزته في تعقب بعض القضايا والحالات النضالية، لجمع أكبر عدد ممكن من المعلومات والأشخاص وعمليات التعقب التي من الممكن أن تحدث في الخلفيات.

وبذات الوقت يتم إعدام كل محتوى لا ترغب غرفة العمليات الخاصة بالحالة السيبرانية في الكيان بقاءه، وربما إعدام الحساب بشكل كامل.

إذن هناك مفاهيم خاصة مهجنة يتم فرضها على الذوق العام العربي، فأي رسالة فيديو تتحدث عن التطبيع مع الكيان بإيجابية يمنح هذا المحتوى خوارزميات انتشار، وإن كان يتحدث عن التطبيع مع الكيان بسلبية تجد حالات التقييد على هذا المحتوى، وربما إعدامه وإعدام الحساب الذي قام بنشره.

الخلاصة: –

حرية الرأي مصونة بموجب التعديل الأول من الدستور الأمريكي، بحيث يمكن للمواطن الأمريكي أن يعبر عن رأيه أياً كان هذا الرأي. ويمكن للمواطن الأوروبي أن يعبر أيضا عن رأيه بأي قضية تمسه، ويمكن للمستعمر المستوطن في فلسطين أن يتحدث بما يريده من خطاب كراهية بحق العرب، لكن لا يمكن للعربي أن يكشف عن جرائم الكيان ومجازره بحق المقدسات وبحق الإنسان الفلسطيني، ولا يحق له أن يساند قضايا محقة عادلة تتحدث عن جرائم كيان محتل للأرض الفلسطينية.

هم يعتقدون – وهنا تكمن الخطورة – أنهم بهذه الحالة سوف يخرجون أجيالاً لا تعرف شيئاً عن فلسطين وعن الكيان وجرائمه، ومن الممكن في يوم من الأيام تشكيل ثقافة هجينة تستطيع أن تقبل هذا الكيان المجرم، وتطبّع معه على المستويات الشعبية.

ولا بد من ذكر ملاحظة مهمة بهذا السياق أن أحد المتحدثين العرب في برنامج “ما خفي أعظم” في حلقة كانت بعنوان “الفضاء المغلق”، ونشرت على قناة “الجزيرة” بتاريخ 8 أيلول/سبتمبر 2023، وكان ظهوره في الحلقة لا يتعدى 90 ثانية ذكر الكيان باسم (دولة إسرائيل) إحدى عشرة مرة.

السؤال الحقيقي، هل نحن العرب مستعدون لمواجهة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها في محاصرة الرواية العربية الفلسطينية للصراع؟ وهل نمتلك أدوات الضغط اللازمة لمحاصرة تغوّل مستخدمي هذه التقنيات ضدنا؟

سؤال أضعه أمام ضمير كل إنسان حر في هذا العالم.

العدالة الإنسانية مطلب والعدالة الرقمية أصبحت ضرورة.

 

رابط المقال
http://nabdapp.com/t/124906310